مركز العز بن عبدالسلام القرآني / الاردن / مادبا

بسم الله الرحمن الرحيم

اهلا بالزوار الافاضل

ارجو منكم التسجيل في المنتدى لتعم الفائدة
على الجميع
وشكرا
مركز العز بن عبدالسلام القرآني / الاردن / مادبا

جمعية المحافظة على القران الكريم


    رفقا بالقوارير

    شاطر
    avatar
    زائر
    زائر

    رفقا بالقوارير

    مُساهمة من طرف زائر في الجمعة ديسمبر 09, 2011 5:21 pm


    حزمتْ حقائبها عازمةً الرحيل عن المنزل، لا تدري إلى أين ولا لمن، كلُّ ما تفكِّر به هو الرحيل بعيدًا عن هذا المنزل المشحون بجميع أنواع الخِلاف والجِدال، والصُّراخ والكبْتِ، والضِّيق والضَّجر.

    هذا ما تفكِّر به "جميلة" ذات السنوات القليلة والأحلام الجليلة.

    لا أحد يحبُّني، كلُّهم يكرهونني، لا أحد يفكِّر بي، لا أريد أن أبقى معهم، أريد أن أذهبَ إلى أيِّ مكانٍ!

    لا مكان للفرح في بيتنا، لا يُسمح بالحوار أو النقاش، كلُّ ما يُسمح به هو تلقِّي الأوامر وتنفيذها، وإلا فالعقاب الذي لا حدَّ يتناهى عنده، فكلُّ أنواعه مُتاحة: الضرب، الحِرْمان، الإهانة، السخرية، الشَّتْم، والسباب، والتنابز بالألقاب.

    "جميلة" ابنة الثالثةَ عشرةَ مراهقة، صغيرة، لا تشعر بالرضا عن نفسها ولا عمَّا هي عليه؛ فهي فتاةٌ بدينة، لم تحظَ بما تضعه الفتيات معيارًا للجمال، وليس بها كثيرُ رِقَّة، لا يعجبها شكلها العام، ولا تمتاز بأيِّ مَيْزة خاصة بها، فليست المفضلة بين الأبناء، وليست الأجمل، وليست الأذكى، وليست الأحب.

    فلا شيء ولا أحد ممن حولها يمنحها الثقة بنفسها في سنٍّ تتجاذبها فيها الصراعات الداخلية، بين انسلاخها من طفولتها التي كانت نوعًا ما تبرِّر لها طيشَ أفعالها وسوء تصرفاتها، وبين انتقالها إلى مرحلة أضحتْ فيها فتاةً شابَّةً، تُحسب عليها أفعالها، وتُعدُّ عليها أنفاسها.

    إن ما أثَّر في سلوكيَّات "جميلة" هو كونها الفتاة الوحيدة بين عددٍ مِن الذكور، لم يُفَرَّق في معاملتها عنهم منذ الصِّغر، بل رُبِّيَت كما تربَّوا تمامًا، وما كان الصواب أن تعامل مثلهم؛ ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾ [آل عمران: 36]، والغريب أن يُتوقَّع أن تختلف عنهم وهي لم تشعر يومًا بالفَرْق بينها وبينهم.

    ما يزيد الأمر سوءًا: أن والدتها بعيدةٌ كل البعد عنها، فلا يوجد بينهما أيُّ مساحةٍ من الحوار يتشاركا فيها، ولا أيُّ نوعية من الاهتمامات المتشابهة، وهي تعزز بداخلها ذاك الشعور السيِّئ تجاه نفسها، فهي لا ترى فيها أيَّ شيءٍ يُشعرها بالفخر بها، فلا شكلها ولا هواياتها - غير المجدية بنظر الأمِّ - تُعطي لها قَبولاً أكثر من إخوتها.

    وهي إلى ذلك مصدر خَجَلٍ دائمٍ لها بتصرفاتها الطائشة، خصوصًا بحضور الغُرباء ويزداد الأمر بوجود الأقارب، فتحاول "جميلة" التهرُّب من طلبات أُمِّها التي تجبرها على البقاء بالمطبخ؛ لأداء الأعمال في محاولة لإبعادها عن الظهور أمام الضيوف، الذين لا تتوقف نظراتهم عن جلِ أُمِّها إن استطاعت أفواههم الإطباق عمَّا يرونه من تمرُّدٍ وعِناد بها، فهي: "فتاة"، و"عليك تأديبها"، "وهذه ليست تصرفات فتاة"، وغيرها من التعليقات اللاذعة؛ مما يجعل دماءَ الأمِّ تغلي في وجهها حَرجًا من فِعل ابنتها، فتنطلق لتنهال بقواها وبكلِّ ما اقترب مِن يدها من آلات وأدوات مهما بلغت من القوة والأذى، وبكلِّ عُنفٍ تزيده كلمات التسخط، والشتم، والتحقير لهذه الفتاة المستعصية المتمردة!

    تقول "جميلة": وكأنني ما خلقت إلا لأَجْل المطبخ؛ فكلُّ ما أفعله هو غسل الأطباق ومسح الأرضيَّات!

    كم من الفتيات يشعرنَ بمثل هذه المشاعر الأليمة والمحزنة والمحبطة، خصوصًا في مثل هذه السنِّ! فأهميتهُنَّ لدى أهاليهنَّ تقتصر على الخِدْمة، وكثيرًا ما ردَّدنَ: "نحن هنا كأننا خَدم".

    من الظلم أن نشوِّه نفوس الأبناء، ونملأ صدورهم بأحزانٍ لا مُبرر لها سوى شعورنا بالخَجل منهم، هؤلاء الأبناء الذين انتقلوا فجأة من طفولتهم إلى مرحلة المراهقة؛ مما سبَّب لهم إشكاليَّاتٍ عديدة في تفهُّمِهم لأنفسهم وللتغيرات التي تطرأ عليهم، وبين تقبُّلهم لحدوثها ورفضهم لها، وبين خوفهم من المرور بها، وملاحظات الأهالي المربكة لهم ومقارنتهم بالآخرين، ومحاولة الآباء فجأة إيضاح الأمور لأبنائهم في وقت متأخِّرٍ، دون عمل تهيئة مسبقة لهذه المرحلة، كمحاولة إفهامهم ما سيمرُّون به، وما سيطرأ عليهم والأخذ بأيديهم للعبور منها بسلامٍ، دون أن تتركَ بداخلهم شروخًا سيِّئة تؤثِّر على مستقبلهم، وتغيِّر مسارَ حياتهم.

    إن توعية الأبناء والتمهيد لهم ضرورة مُلحَّة يجب على الآباء فَهْمها والعمل عليها، وخاصة الفتيات وما يتعلَّق بهنَّ من أمور البلوغ، وأمور العناية بالذات، والاهتمام بالجسد والنفس، وتغذية الفكر.

    إن عدم شعور "جميلة" بالرضا عن شكلها يغمض عينيها وفكرها عن مواهبها البعيدة عن شكلها الخارجي، فهي ذات أنامل ذهبيَّة بالرغم مِن صِغرها، تجيد الكثير من الأعمال اليدوية المحبَّبة للفتيات في سنِّها، والتي تنال إعجابَ مَن يراها؛ إلا أنها لا ترى في ذلك شيئًا لصيقًا بها، كما لو كان شكلها هو المقبولَ أكثر من أعمالها، فتزداد الفتاة عِنادًا وإساءةً في تصرفاتها؛ كمحاولة منها للتعبير عن سخطها ورفضها لتهميشها.

    ومن الفتيات مَن تنحى منحًى آخر بعيدًا عمَّا انتحته "جميلة"، حيث تنطوي على نفسها وترفض الاندماج في الجماعة؛ سواء في المدرسة أو البيئة المنزلية، فلا تغادر غُرْفتها إلا نادرًا، ولا تحب النظر للمرآة ولا الجلوس مع أحد، وقد يربكها مجرَّد النظر إليها، فتحاول بيدها إخفاء ما يمكنها إخفاؤه من وجهها أو جسمها، أو ما تشعر بأنه يخجلها.

    إن تقبُّل الأبناء بما هم عليه يمنحهم الثقة بأنفسهم، والدَّعم اللازم للتقدُّم والتميُّز والإبداع، والاستماع إلى الأصوات المتصاعدة من داخلهم، ينبِئ الآباء مُبكِّرًا بأيِّ انحرافٍ محتمل في أفكارهم أو سلوكهم، فيسهل التعامل معه ومعالجته قبل أن يتمادى ويتأصَّل.

    والتفهُّم الواعي لما تمرُّ به الفتاة من صراع داخلي مع نفسها يُرسي قاربها على برٍّ آمنٍ، وينجو بها عن مزالق السوء.

    إن ما يقدَّمُ لهذه الصغيرة من إحباط إنما هو تهيئةٌ لها؛ لقبول أيِّ يدٍ تمتدُّ لتنتشلها مما هي فيه من الهمِّ والعَناء، أيًّا كانت هذه اليد، وهذا ما يُفسح مجالاً للذئاب ذوي الأقنعة البيضاء والأيادي الناعمة والكلمات الرقيقة، بالتصدُّر لانتشال الفتيات من أَسْرِ الأهالي ذوي الوجوه الغاضبة دائمًا، الرافضة لأيِّ فُرجة تهوية عن النفس؛ لنيل القليل من الكلمات المغلفة بالقراطيس الملونة كالحلوى، فتنجذب إليها الصغيرة غير المحميَّة من قِبَل الأهل، وغير المدعمة بثقافة الحَذَر والاحتراس.

    ومن الطبيعي أن تزيد معالجة الأمور بالعنف تعقيدها بدلاً مِن حلِّها؛ فالضرب أو الشتم لن يؤدي بها لتعديل ما ساء من سلوكياتها، والتي يمكن توجيهها ولفت انتباهها لها بطريقة أقل إيلامًا، فالكلمات الطيبة ساحرة وآسرة، حتى لمن هُمْ في سنِّ الأمِّ، فكيف بها في سنِّ الصغيرة جميلة؟!

    إن أصابع اللوم الموجهة دومًا نحوهم تشعرهم بالذنب لأمور ليس لهم ذنبٌ فيها، وليس لهم القدرة على التخلُّص منها على الأقل بمفردهم، فبنية "جميلة" الممتلئة ليست من فعلها بمفردها، فلا يوجد طفل سمِنَ بمفرده دون يدٍ للأهل في تسمينه.

    كثيرٌ مِن الأُمَّهات يعتبرن بناتهنَّ من مقتنياتهنَّ التي يتباهينَ بها أمام الأُخْريَات، دون اعتبارٍ لما تَشعر به بناتهنَّ، فنجدها تباهي بشكل ابنتها وجمالها وكأنها من صُنْعِها، بينما تنزوى الأمهات اللاتي لم يحظينَ ببناتٍ قادرات على الدخول في المنافسة، التي تقتصر معاييرها على الأمور الظاهرة وما تَبَدَّى من محاسن الصغيرات.

    هنا لفتة، فالأبناء الْمُوْدَعون لشاشات التلفاز دون إدارة أو توجيه، هم أبناء خالون من الدعم والتثقيف الصحيح والمناسب، خصوصًا وتلك ثقافة تتقيَّأ الغثَّ والدنيء على صدورهم، فيتقبَّلونها كما هي دون توعية وإرشاد، أو تنقيح للمحتوى الْمُجتلب من لَدُن سفهاء القوم وأراذلهم.

    فمشاهد الانغماس في الحزن والشعور بالكآبة، والتفكير في الانتحار، والغضب والتمرُّد على الآباء، والهروب من المنزل - من الأمور المسوَّغة عَبْرَ الشاشات، وقد تشرَّبتها عقولُ الأبناء - ذكوراً وإناثًا - تمامًا، فنجدهم يمارسونها دون وعيٍّ لخطئها.

    ومن جانب ثانٍ، فإن ثقافة التلفاز التي تعلَّمها الأبناء تُسخِّف مقاييس الجمال لديهم، فتقصرها على الرشاقة وشكل الجسم، ونعومة الشعر ولون البشرة، والذوق في اللباس...، وتبعدهم تمامًا عن إثراء عقولهم بالفِكْر والمعرفة، وملء أيديهم بالمهارات والهوايات القيِّمة.

    وهنا يأتي دور الآباء الداعم، الذي يمنحهم القدرة على الاندماج في المجتمع دون خَجلٍ مما يبدون عليه، وتنويرهم بالمعرفة اللازمة، والتوقُّف عن تغذية الأجساد فقط، فذلك غذاء -وإن كان مهمًّا - فإن نقصه لا يؤثِّر على الأبناء كما يؤثِّر نقصُ غذاء الروح والفِكر.

    إنَّ ربط الأبناء بأولويَّات الحياة كأُسُس الدِّين والاعتقاد، وتثقيفهم الثقافة الدينية الروحية - يرفعُ من اهتماماتهم ويغيِّر مجراها، ويمنحهم الثقة بأنفسهم؛ لأن معايير المفاضلة هنا ستختلف، فالأفضل هو الأتقى؛ ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]، والأفضل هو الشخص الذي يضع الله أمام ناظريه، فيراقب تصرفاته ويسمو بأخلاقه عن الانحدار، بينما الأمور الشكلية مجرَّد كماليات دعا الإسلام إلى المعقول والمقبول منها: كالنظافة والتطيُّب والتجمُّل، أما أن تصلَ إلى حدِّ الهوس والتنافس والمباهاة بها، فهذا أمرٌ لم يَدْعُ إليه دينٌ ولا عقلٌ.

    فالواجب تدعيم الأبناء بمثل هذه الثوابت الراسخة، والارتقاء بهم فكريًّا وثقافيًّا وروحيًّا، وتقبُّل أنفسهم والفخر بما هم عليه.

    أيها الآباء وأيتها الأمهات، رِفقًا بالقوارير، ولِينَكم ورحمتَكم بمن ائتمنكم الله عليهنَّ، انظروا إلى أعماقهنَّ سترون الكثير من الشروخ التي تسببتم بها دون أن تدركوا.




    avatar
    زائر
    زائر

    رد: رفقا بالقوارير

    مُساهمة من طرف زائر في الجمعة ديسمبر 09, 2011 8:56 pm

    avatar
    زائر
    زائر

    رد: رفقا بالقوارير

    مُساهمة من طرف زائر في الجمعة ديسمبر 09, 2011 9:16 pm

    يسلمو ايديك ع الطرح
    avatar
    زائر
    زائر

    رد: رفقا بالقوارير

    مُساهمة من طرف زائر في الأربعاء ديسمبر 14, 2011 5:23 pm

    بداية اشكرك أخيتي على هذا الطرح المميز بالغ الأهمية ...
    وسلمت يداك على ما نقشت من سطور ذهبية على جدران منتدانا الغالي...
    دمت بود..
    ننتظر جديدك بفارغ الصبر
    في رعاية الله

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين يونيو 18, 2018 2:01 am